محمد جمال الدين القاسمي

127

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

في الدبر لا يعين على اجتذاب جميع الماء ولا يخرج كلّ المحتقن لمخالفته للأمر الطبيعيّ . . . وأيضا يضرّ من وجه آخر وهو إحواجه إلى حركات متعبة جدا لمخالفته للطبيعة . وأيضا فإنه محلّ القذر والنّجو فيستقبله الرجل بوجهه ويلابسه . وأيضا فإنه يضرّ بالمرأة جدا ، لأنه وارد غريب بعيد عن الطباع منافر لها غاية المنافرة . وأيضا فإنه يحدث الهم والغم والنفرة عن الفاعل والمفعول . وأيضا فإنه يسوّد الوجه ، ويظلم الصدر ، ويطمس نور القلب ، ويكسو الوجه وحشة تصير عليه كالسيماء ، يعرفها من له أدنى فراسة . وأيضا فإنه يوجب النفرة والتباغض الشديد والتقاطع بين الفاعل والمفعول ، ولا بدّ . وأيضا فإنه يفسد حال الفاعل والمفعول فسادا لا يكاد يرجى بعده صلاح . إلا أن يشاء اللّه بالتوبة النصوح . وأيضا فإنه يذهب بالمحاسن منهما ويكسوهما ضدّهما . كما يذهب بالمودة بينهما ويبدلهما بها تباغضا وتلاعنا . وأيضا فإنه من أكبر أسباب زوال النعم وحلول النقم ، فإنه يوجب اللعنة والمقت من اللّه ، وإعراضه عن فاعله ، وعدم نظره إليه فأيّ خير يرجوه بعد هذا ؟ وأي شرّ يأمنه ؟ وكيف حياة عبد قد حلّت عليه لعنه اللّه ومقته ، وأعرض عنه بوجهه ولم ينظر إليه ؟ . أقول : أخذ هذا ابن القيم من أحاديث وردت في لعن فاعل ذلك ، وعدم نظر الحقّ إليه بيد أنها ضعيفة « 1 » . ثم قال ابن القيّم : وأيضا فإنه يذهب بالحياء جملة ، والحياء هو حياة القلوب ، فإذا فقدها القلب استحسن القبيح واستقبح الحسن ، وحينئذ فقد استحكم فساده . وأيضا فإنه يحيل الطباع عما ركبها اللّه ، ويخرج الإنسان عن طبعه إلى طبع لم يركب اللّه عليه شيئا من الحيوان بل هو طبع منكوس ، وإذا نكس الطبع انتكس القلب

--> ( 1 ) أخرجه ابن ماجة في : النكاح ، 29 - باب النهي عن إتيان النساء في أدبارهنّ ، حديث 1923 ونصه : عن أبي هريرة عن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم قال « لا ينظر الله إلى رجل جامع امرأته في دبرها » . في الزوائد : إسناده صحيح . لأن الحارث بن مخلد ( أحد رجال السند ) ذكره ابن حبان في الثقات . وباقي رجال الإسناد ثقات . قال السنديّ : والحديث قد رواه أبو داود والترمذيّ بلفظ قريب من هذا . ورواه أيضا الدارميّ في سننه في : الوضوء ، 114 - باب من أتى امرأته في دبرها وأخرج الترمذيّ في جامعه في : التفسير ، 2 - سورة البقرة ، 27 - باب حدثنا عبد بن حميد ، هذا الحديث ونصه : عن ابن عباس قال : جاء أعرابيّ إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فقال : يا رسول الله ! هلكت قال « وما أهلكك ؟ » قال : حولت رحلي الليلة . قال فلم يرد عليه رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم شيئا . قال فأوحي إلى رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم هذه الآية نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ . أقبل وأدبر . واتق الدبر والحيضة .